العلامة المجلسي
19
بحار الأنوار
قوم لم يبق من أكثرهم خبر ولا أثر ، قل في الدنيا لبثهم ، وأعجل بهم إلى الآخرة بعثهم ، وأصبحتم حلولا في ديارهم ، وظاعنين على آثارهم ، والمنايا بكم تسير سيرا ما فيه أين ولا بطوء ، نهاركم بأنفسكم دؤوب ( 1 ) وليلكم بأرواحكم ذهوب ، وأنتم تقتفون من أحوالهم حالا ، وتحتذون من أفعالهم مثالا ، فلا تغرنكم الحياة الدنيا فإنما أنتم فيها سفر حلول ، والموت بكم نزول ، فتلتضل فيكم مناياه ، وتمضي بكم مطاياه ، إلى دار الثواب والعقاب ، والجزاء والحساب ، فرحم الله من راقب ربه ، وخاف ذنبه ، وجانب هواه ، وعمل لاخرته ، وأعرض عن زهرة الحياة الدنيا . 77 - وقال عليه السلام : كأن قد زالت عنكم الدنيا كما زالت عمن كان قبلكم فأكثروا عباد الله اجتهادكم فيها بالتزود من يومها القصير ليوم الآخرة الطويل . فإنها دار العمل ، والدار الآخرة دار القرار والجزاء ، فتجافوا عنها فان المغتر من اغتر بها ، لن تعد الدنيا إذا تناهت إليها أمنية أهل الرغبة فيها ، المطمئنين إليها المغترين بها أن تكون كما قال الله تعالى : ( 2 ) " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والانعام " ألا إنه لم يصب امرء منكم من هذه الدنيا حبرة إلا أعقبتها عبرة ، ولا يصبح امرء في حياة إلا وهو خائف منها أن تؤول جائحة أو تغير نعمه أو زوال عافيته ، والموت من وراء ذلكم ، وهول المطلع ، والوقوف بين يدي الحكم العدل لتجزى كل نفس بما كسبت ويجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى . 78 - وقال عليه السلام : مالكم والدنيا فمتاعها إلى انقطاع ، وفخرها إلى وبال ، وزينتها إلى زوال ، ونعيمها إلى بؤس ، وصحتها إلى سقم أو هرم ، ومآل ما فيها إلى نفاد وشيك ( 3 ) وفناء قريب ، كل مدة فيها إلى منتهى ، وكل حي فيها إلى مقارنة البلى ، أليس لكم في آثار الأولين وآبائكم الماضين عبرة وتبصرة إن كنتم تعقلون ، ألم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون ، وإلى الخلف الباقين ، منكم
--> ( 1 ) الأين : الحين ، والتعب والمشقة والاعياء . والدؤوب : الجد والتعب . ( 2 ) يونس : 26 . ( 3 ) الوشيك السريع .